في الوقت الذي كنت فيه مترددًا في القرار هل اختار الوظيفة أو أكمل الدراسات العليا، أخبرني صديقٌ لاحقًا أنه تقدم باستقالته فورًا بعد أسبوعه الأول من العمل لأنه جهة العمل رفضوا ابتعاثه للخارج. أدركت حينها أني لم أكن صادقًا مع نفسي فيما أردت. كانت بالنسبة لي رغبة وكانت بالنسبة له عزيمة صادقة. كان يعرف نفسه ويعرف ماذا يريد.
لا أحب عقد المقارنات ولا ألوم نفسي على شيء، تعلمت أن لكل منا مساره الخاص في هذه الحياة، وأن تجاربنا الفريدة هي ما تصقل شخصياتنا حسب ما هو مقدّر لنا. لكن أدركت أنني لم أعرف حقيقة نفسي وهنا كانت الانطلاقة.
تغمرني السعادة أن أتحدث إلى العالم، أن أكون وجودًا في هذا الفضاء، أن أترك أثرًا أو أحدث تغييرًا في نفسي والعالم. مجرد أن تبدأ هي خطوة إلى الأمام! أن تبدأ بأية حال كيفما أنت، بسيط المعرفة، محدود الكلمة، قصير الخطوة في مسارك الطويل.
كنت ممن يعاني من داء الكمالية، التأخر عن موعد التسليم لأن العمل مازال ناقصًا رغما تمامه. كنت أتأخر في تسليم البحوث في الجامعة لمراعاة التفاصيل الصغيرة جدًا، رفضت العديد من الفرص لأني لم أكن واثقًا من أن أعمالي جيدة بما يكفي. امتنعت عن المشاركة في عدد من المسابقات لأنني غير مستعد، حينها كنت على أتم الاستعداد. هوس المثالية هو أزمة ثقة بالنفس حقيقية! جهد مضني خلال الإعداد، يتبعه قلق متزايد من الظهور دون سقف التوقعات، ينتهي بانسحاب وحسرة ومزيدًا من التسويف أملًا أن تصل إلى مستوى المثالية المقبول. دعني أخبرك…حتمَا لن تصل!
يفوت على أتباع الكمالية أن النقص صفة المخلوق، وأن رحلة الخطأ والصواب ومسيرة المعرفة هي رسالة الإنسان في هذا العالم. يفوت عليهم أن الناس قد لا يتأثرون بالمنتج النهائي، بل تلهمهم التجربة. أن يعيشوا معك القصة وإثراء التجربة. النصائح، التوجيه والتعليقات كلها عوامل محسنة ومسرعة للوصول إلى الأهداف وإلى.. بين قوسين (إتقان الأعمال).
راجعت مذكراتي الشخصية، ووجدت أن أحد الأعمال التي أرغب القيام بها منذ سنوات، هو بناء مدونة رقمية. أعبر فيها عن نفسي واهتماماتي، أشارك بها العالم لأستفيد منهم، وأراقب فيها نمو ذاتي الشخصي في الأفكار والمشاعر ومستوى الكتابة، هنا سأبدأ ناقصًا، سأبدأ خطوة إلى الأمام. بالمناسبة عجبت من نفسي كيف بدأت أرى الأمور أكثر وضوحًا! أصبحت أكثر إقدامًا وجرأة في اتخاذ ما يلزم.
شكرًا على وقتك، شكرًا على اهتمامك، شكرًا لوجودك هنا.